أهم الأخبارمقالات الرأي

الدكتوره ليندا سليم تكتب :من المدرسة إلى البكالوريا.. حين تصبح الغربة ثمنًا للتمسك بمصر

 

في كل مرة تتحدث فيها وزارة التربية والتعليم عن تطوير التعليم، تظل العدالة وتكافؤ الفرص من أهم العناوين التي يُفترض أن يقوم عليها أي إصلاح حقيقي، لكن العدالة لا تعني أن نضع قاعدة واحدة أمام الجميع ثم نعتبر أننا ساوينا بينهم، وإنما أن ندرك أن الطلاب لا يعيشون الظروف نفسها، وأن من بينهم أبناء مصريون يقيمون خارج الوطن، ومع ذلك اختارت أسرهم أن يبقى أبناؤهم داخل منظومة التعليم المصرية، من المدرسة وحتى البكالوريا.وهنا يجب أن نفرق منذ البداية بين الطالب الزائر والطالب المقيم.فالزائر يعود إلى بلده بعد فترة قصيرة، ويمكنه أن يرتب وجوده وفق مواعيد الدراسة والامتحانات، أما الطالب المقيم في الخارج فهو يعيش هناك حياة مستقرة، وترتبط حياته وحياة أسرته بالإقامة والعمل والمدرسة وتجديدات الإقامة والرسوم والالتزامات المالية، ولذلك لا يمكن ببساطة أن نتعامل معه باعتباره طالبًا يستطيع أن يعود إلى مصر كلما احتاجت المدرسة إلى حضوره.

ومع ذلك، هناك أسر مصرية تقيم في الخارج، لكنها تصر على أن يظل أبناؤها داخل منظومة التعليم المصرية، سواء من خلال منظومة تعليم المصريين في الخارج، أو من خلال مدرسة مصرية يكون الطالب مقيدًا بها في مصر ويعود إليها لأداء الامتحانات.وهنا تبدأ المفارقة.كان أمام هذه الأسر طريق آخر أكثر سهولة ووضوحًا بحكم مكان إقامتها؛ التعليم السعودي بالنسبة للأسر المقيمة في المملكة، وهو نظام تعليمي أقدم ومستقر، معروف المسار واللوائح والنتائج، ويتوافق طبيعيًا مع حياة الطالب اليومية ومكان إقامته، ولا يضع الأسرة أمام الحاجة إلى السفر المتكرر بين السعودية ومصر حتى تظل قادرة على استيفاء متطلبات الدراسة.كان بإمكان الأسرة أن تختار الطريق الأسهل.لكنها اختارت التعليم المصري.

اختارت أن يظل ابنها مرتبطًا بمنهج وطنه، وأن يحافظ على صلته بالتعليم المصري، وأن يكمل مساره الدراسي داخل منظومة بلده، رغم أن هذا الاختيار قد يكلفها سفرًا وإقامة ومواصلات ورسومًا والتزامات إضافية.فهل يعقل أن يتحول هذا الاختيار إلى عبء على الطالب؟هل يُعاقب الطالب لأنه اختار أن يتمسك بتعليم وطنه، بينما كان بإمكان أسرته أن تختار نظامًا أكثر توافقًا مع مكان إقامتها؟السؤال هنا ليس عاطفيًا فقط، وإنما تعليمي وإداري في صميمه.لأننا عندما نتحدث عن البكالوريا المصرية، فنحن نتحدث عن نظام قُدم باعتباره أكثر مرونة، يقوم على توزيع المواد، وتخفيف الضغط، وإتاحة أكثر من فرصة للامتحان، وإمكانية تحسين النتيجة، بحيث لا يصبح مستقبل الطالب رهينة امتحان واحد.

لكن عندما يصبح دخول الفرصة الأولى مرتبطًا بإنجاز نسبة محددة من الأداءات والتقييمات، فإننا نحتاج إلى النظر إلى هذه القاعدة من زاوية أخرى: هل يمكن تطبيقها بالكيفية نفسها على طالب يعيش داخل مصر وطالب يعيش خارجها إقامة مستقرة؟التقييم المستمر مهم.والانتظام مهم.ومتابعة المدرسة للطالب أمر ضروري.لكن الانتظام ليس له شكل واحد عند جميع الطلاب.فالطالب الموجود داخل مصر يستطيع أن يذهب إلى مدرسته ويعود إلى منزله، بينما الطالب المقيم في السعودية مثلًا قد تفصله عن مدرسته آلاف الكيلومترات، وقد يحتاج إلى تذكرة طيران وإقامة ومواصلات وإجراءات سفر حتى يحضر ما يستطيع من التقييمات.ولا يتعلق الأمر بتذكرة واحدة.فقد تضطر الأسرة إلى السفر كل شهرين أو ثلاثة، أو بحسب مواعيد الدراسة والتقييمات، ثم العودة إلى الدولة التي تقيم فيها، في الوقت الذي تتحمل فيه أصلًا تكاليف الإقامة والمعيشة والتجديد والرسوم والالتزامات المالية.فهل أصبحت قدرة الأسرة على شراء تذاكر الطيران جزءًا غير معلن من شروط الحصول على الفرصة الأولى؟والمشكلة لا تقتصر على الطالب الذي يدرس ضمن منظومة المصريين في الخارج.هناك أيضًا طالب له مدرسة داخل مصر ومقيد بها بالفعل، لكنه يقيم مع أسرته في الخارج إقامة مستقرة، وليس زائرًا، ويريد أن يعود إلى مصر لأداء امتحاناته.

هذا الطالب أيضًا له الحق في أن يجد آلية عادلة للتعامل مع التقييمات التي تعذر عليه حضورها بسبب ظروف إقامته، بدلًا من أن يصبح السفر المتكرر شرطًا غير معلن للحفاظ على حقه في الفرصة الأولى.

فإذا كان النظام يسمح له أصلًا بالعودة إلى مصر لأداء الامتحان، فلماذا لا توجد آلية واضحة وموحدة تمكنه من إثبات تعلمه دون أن يضطر إلى تحويل حياته إلى رحلات جوية متكررة؟وهنا نصل إلى السؤال الأهم:هل التقييم يقيس تعلم الطالب، أم يقيس قدرته على الحضور في المكان الذي حددته اللائحة؟

إذا كان الهدف من التقييم أن نعرف هل الطالب تعلم أم لا، فالمطلوب أن نسأل: كيف نتحقق من تعلم الطالب المقيم في الخارج؟لا أن نسأل: كيف نعيده إلى مصر حتى يؤدي التقييم؟يمكن للوزارة أن تضع تقييمات إلكترونية موحدة وموثقة، أو مراكز معتمدة في الدول التي تضم أعدادًا كبيرة من الطلاب المصريين، أو آلية خاصة واضحة للطالب المقيم في الخارج تضمن أداءه للتقييمات تحت إشراف رسمي.

وبذلك تحقق الوزارة الهدف نفسه: التأكد من تعلم الطالب، دون أن يصبح السفر شرطًا غير مكتوب لدخول الامتحان.

فالهدف من التقييم أن يقيس علم الطالب، لا قدرته على شراء تذكرة طيران.وهنا تعود القضية إلى فلسفة البكالوريا نفسها.إذا كان النظام قد جاء ليمنح الطالب أكثر من فرصة، فإن هذه الفرص يجب أن تكون متاحة فعلًا، لا أن تتحول الفرصة الثانية إلى بديل اضطراري لطالب فقد الأولى بسبب ظروف إقامته.فالفرصة الثانية يفترض أن تكون فرصة تحسين.أما أن يدخلها الطالب لأنه لم يستطع تحقيق نسبة التقييمات المطلوبة نتيجة ظروف إقامته خارج مصر، فهنا نكون قد غيرنا معنى الفرصتين من الأساس.طالب دخل الفرصة الأولى ثم قرر تحسين نتيجته، استفاد من ميزة النظام.أما طالب اضطر إلى الفرصة الثانية لأنه لم يستطع الانتظام حضوريًا، فقد فقد جزءًا من الميزة نفسها.

وهذا لا يعني أن الطالب المقيم في الخارج يجب أن يُعفى من القواعد.بل العكس.هو يحتاج إلى قواعد واضحة، وتقييم حقيقي، وانضباط، وإثبات جدي لتعلمه.لكن العدالة تقتضي أن يكون له طريق واقعي لتحقيق هذه الشروط.

فالطالب الذي لا يريد أن يتعلم أو يرفض الانتظام شيء، والطالب الذي يريد أن يتعلم لكنه يقيم خارج مصر ولا تسمح له ظروفه بالحضور المستمر شيء آخر.الأول يحتاج إلى انضباط.والثاني يحتاج إلى آلية عادلة.ولا ينبغي أن تعاقب اللائحة الاثنين بالطريقة نفسها.والأمر هنا يتجاوز البكالوريا نفسها.

فمنذ المراحل التعليمية السابقة، تحتاج منظومة التعليم المصرية إلى رؤية أكثر وضوحًا للطالب المصري المقيم في الخارج، لأن هذا الطالب ليس حالة استثنائية عابرة، بل واقع موجود منذ سنوات، وأسر مصرية كاملة تعيش خارج الوطن لكنها تحرص على أن يظل أبناؤها مرتبطين بتعليم بلدهم.

وهؤلاء الأسر كان بإمكانها أن تختار تعليم الدولة التي تقيم فيها، وهو في كثير من الحالات أسهل من الناحية الإجرائية وأكثر توافقًا مع واقع الحياة اليومية، لكنها اختارت مصر.اختارت المنهج المصري.اختارت أن يعود أبناؤها إلى وطنهم للامتحان.اختارت أن تتحمل ما يترتب على هذا الاختيار من مصروفات وسفر وإجراءات، لأن لديها ثقة في تعليم بلدها ورغبة في ألا ينقطع أبناؤها عنه.فهل تكون مكافأة هذا الاختيار أن يصبح الطالب أكثر عرضة لفقدان فرصة تعليمية؟هذه هي النقطة التي يجب أن تتوقف عندها الوزارة.لا ينبغي أن يشعر الطالب المصري المقيم في الخارج أنه دُفع ثمن تمسكه بمصر مرتين: مرة في تكاليف الإقامة والسفر، ومرة في نظام تعليمي لا يضع ظروف إقامته في حساباته.نحن لا نطالب بامتياز للمقيم في الخارج.ولا نطالب بإعفاء من التقييم.ولا نطالب بإلغاء الانضباط.نطالب فقط بأن يكون مكان إقامة الطالب خارج مصر ظرفًا تنظمه اللائحة، لا سببًا في تقليل حقوقه.

فإذا كان الطالب المصري داخل مصر يستطيع الوصول إلى المدرسة بسهولة، بينما يحتاج المقيم في الخارج إلى رحلة جوية كاملة حتى يصل إليها، فليس من العدل أن نفترض أن الاثنين يملكان القدرة نفسها على الحضور.المساواة الحقيقية ليست أن نقول للجميع: افعلوا الشيء نفسه.المساواة الحقيقية أن نمنح الجميع وسيلة عادلة للوصول إلى النتيجة نفسها.والبكالوريا المصرية، إذا كانت تريد أن تكون نظامًا حديثًا ومرنًا، يجب أن تكون مرونتها حقيقية، وأن تمتد إلى أبناء مصر أينما كانوا.

فالطالب المقيم في السعودية أو الإمارات أو الكويت أو قطر أو غيرها من الدول ليس أقل مصرية لأنه يعيش خارج الحدود، وليس أقل استحقاقًا لفرص البكالوريا، ولا ينبغي أن تصبح قدرة أسرته على شراء تذكرة طيران عاملًا غير معلن في تحديد فرصه التعليمية.كان بإمكان أسر كثيرة أن تختار الطريق الأسهل، لكنها اختارت مصر.فلا تجعلوا تمسكها بتعليم وطنها سببًا في معاقبة أبنائها.

افتحوا للطالب المقيم في الخارج طريقًا واضحًا وعادلًا للتقييم، واتركوا له فرصه كاملة، ودعوا العلم هو الذي يحدد مستواه، لا مكان إقامته، ولا قدرة أسرته على السفر.فالطالب لم يختر الغربة حتى يحصل على استثناء.لكنه أيضًا لم يختر أن يُعاقب لأنه ظل متمسكًا بوطنه.من المدرسة إلى البكالوريا، يجب أن تظل الغربة ظرفًا يُراعى، لا ثمنًا يُدفع من حق الطالب في التعليم والفرصة.








الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock