أهم الأخبارمقالات الرأي

زكى السعدنى يكتب سيادة “البودى جارد”!!!

من وراء تنامى ظاهرة "البودى جارد "فى مصر واستخدامها بديلا للقانون ؟؟!!

لم تعد الاستعانة بـ”البودي جارد” في مصر مقتصرة على الشخصيات العامة أو الفنانين أو رجال الأعمال، بل امتدت خلال السنوات الأخيرة إلى شرائح مجتمعية مختلفة، لتصبح مشهدًا متكررًا في المناسبات الخاصة، وداخل بعض المؤسسات، وحتى في الحياة اليومية لبعض الأفراد الذين يرون في الحماية الشخصية وسيلة لضمان الأمن والهيبة الاجتماعية.
تفتح هذه الظاهرة المتنامية الباب أمام تساؤلات مهمة حول أسباب انتشارها، وحدودها القانونية، وما إذا كانت تعكس تغيرًا في مفهوم الأمن الشخصي، أو تراجعًا في ثقة بعض المواطنين بقدرة القانون وحده على توفير الحماية اللازمة.
يرتبط عمل الحراس الشخصيين فى الأصل بتوفير الحماية للأشخاص الذين تفرض طبيعة أعمالهم أو مناصبهم مستوى مرتفعًا من المخاطر، مثل كبار المسؤولين أو الشخصيات المعرضة للتهديدات الأمنية. غير أن المشهد في مصر شهد تحولًا ملحوظًا، حيث أصبح وجود عدد من الحراس الضخام مفتولي العضلات حول بعض الأشخاص جزءًا من الصورة الاجتماعية التي يسعى البعض إلى تصديرها.
وفي كثير من الأحيان، لا يكون الهدف الحقيقي هو الحماية بقدر ما يكون إظهار النفوذ أو فرض نوع من الهيبة، وهو ما يثير مخاوف من تحول بعض ممارسات الحراسة الخاصة إلى أداة للترهيب أو تجاوز حدود الدور الأمني المشروع.
يرى متخصصون في علم الاجتماع أن انتشار ثقافة “البودي جارد” يرتبط بعدة عوامل، أبرزها التأثر بالنماذج التي تقدمها الأعمال الدرامية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم تصوير الحارس الشخصي باعتباره رمزًا للقوة والمكانة الاجتماعية.
كما تلعب المنافسة الاجتماعية والرغبة في إبراز الثراء أو النفوذ دورًا في تعزيز هذه الظاهرة، خاصة في بعض المناسبات الكبرى مثل حفلات الزفاف والفعاليات الخاصة..وقد تدفع بعض حوادث العنف الفردية أو النزاعات التجارية بعض الأشخاص إلى البحث عن وسائل حماية إضافية، وإن كانت خارج الإطار التقليدي الذي يتيحه القانون عبر مؤسسات الدولة.
ورغم السماح بعمل شركات الأمن والحراسة الخاصة وفق ضوابط قانونية محددة، فإن هذه الشركات لا تملك صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون. فالحارس الشخصي ليس جهة ضبط، ولا يحق له استخدام القوة خارج حدود الدفاع الشرعي التي يكفلها القانون لجميع المواطنين.
ويؤكد خبراء قانونيون أن احتكار الدولة لاستخدام القوة المنظمة يمثل أحد أهم ركائز دولة القانون، وأن أي محاولة لتحويل الحراسات الخاصة إلى بديل عن مؤسسات العدالة والأمن قد تفتح الباب أمام فوضى مجتمعية غير مقبولة.
بين الشعور بالأمان وإهدار هيبة القانون
تكمن الخطورة الحقيقية عندما يبدأ بعض الأفراد في التعامل مع “البودي جارد” باعتباره وسيلة للحصول على الحقوق أو فض النزاعات أو فرض الأمر الواقع. فالأمان الحقيقي لا يتحقق عبر القوة الفردية، وإنما من خلال منظومة قانونية عادلة ومؤسسات أمنية قادرة على حماية الجميع دون تمييز.
إن اللجوء المتزايد إلى الحراسات الخاصة يجب ألا يتحول إلى مؤشر على تراجع الثقة في سيادة القانون، بل ينبغي أن يدفع إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الاحتكام إلى المؤسسات الرسمية باعتبارها الضامن الأساسي للحقوق والحريات.
وفي ظل تنامي الظاهرة، تبدو الحاجة ملحة إلى تشديد الرقابة على شركات الأمن الخاصة، والتأكد من حصول العاملين بها على التدريب والتراخيص اللازمة، مع مواجهة أي ممارسات تتجاوز الإطار القانوني المحدد لطبيعة عملهم.
كما يتطلب الأمر دورًا أكبر من وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية في ترسيخ ثقافة احترام القانون، والتأكيد على أن النفوذ الحقيقي لا يقاس بعدد الحراس الشخصيين، وإنما بالالتزام بقواعد الدولة ومؤسساتها.
يبقى الأمن مسؤولية جماعية تتصدرها الدولة عبر أجهزتها المختصة، بينما تظل الحراسات الخاصة وسيلة مساعدة في نطاقات محددة لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن العدالة أو رمز لفرض القوة. فحين يشعر المواطن بأن القانون هو الحامي الأول والأخير لحقوقه، تتراجع الحاجة إلى الاستعراض الأمني، وتترسخ أسس الدولة الحديثة القائمة على المساواة وسيادة القانون وليس سيادة” البودى جارد”









الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock