بقلم الخبيرة التربوية منار البطران مديرة وحدة الإصدارات والنشر المنتدى العالمي للدراسات المستقبلية حين يصبح بناء الإنسان قضية أمن قومي

في عالم يشهد تغيرات متسارعة وثورات علمية وتكنولوجية غير مسبوقة لم تعد قوة الدول تُقاس بما تمتلكه من ثروات طبيعية أو إمكانات اقتصادية فقط بل أصبحت تُقاس بقدرتها على بناء الإنسان وصناعة العقول المؤهلة القادرة على الابتكار والإبداع وصناعة المستقبل. فالدول التي تستثمر في الإنسان هي الأكثر قدرة على تحقيق التنمية الشاملة والحفاظ على استقرارها وتعزيز مكانتها على الساحة الدولية.
لقد فرضت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي واقعًا جديدًا يتطلب إعادة النظر في أساليب التعليم والتدريب وإعداد الكوادر البشرية. فلم يعد الهدف من التعليم نقل المعرفة فحسب بل أصبح بناء شخصية متكاملة تمتلك مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات والعمل الجماعي والتعلم المستمر بما يتوافق مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
إن الاستثمار في التعليم هو استثمار في الأمن القومي لأن الإنسان الواعي يمثل خط الدفاع الأول عن وطنه. فكلما ارتفع مستوى الوعي والمعرفة زادت قدرة المجتمع على مواجهة التحديات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية وأصبح أكثر قدرة على حماية هويته الوطنية وترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية.
ولا يمكن الحديث عن بناء الإنسان دون التأكيد على الدور المحوري للأسرة باعتبارها المؤسسة الأولى في تشكيل الشخصية ثم المدرسة والجامعة اللتين تتحملان مسؤولية تنمية المهارات واكتشاف المواهب وصقلها. كما يظل للإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية دور مهم في نشر الوعي وتعزيز القيم الإيجابية وترسيخ ثقافة الحوار واحترام القانون بما يسهم في إعداد مواطن قادر على المشاركة الفاعلة في تنمية وطنه.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم أصبحت المهارات الرقمية والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من أهم متطلبات المستقبل. لذلك فإن إعداد الأجيال الجديدة يجب أن يقوم على الجمع بين المعرفة الأكاديمية والمهارات العملية والقيم الأخلاقية حتى يصبح الإنسان قادرًا على المنافسة عالميًا مع الحفاظ على هويته الوطنية وخصوصيته الثقافية.
كما أن دعم البحث العلمي وتشجيع الابتكار وتمكين الشباب من امتلاك أدوات المستقبل لم يعد ترفًا فكريًا بل أصبح ضرورة وطنية. فالعقول المبدعة هي القادرة على تحويل التحديات إلى فرص وعلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة والإنتاج والابتكار بما يحقق التنمية المستدامة ويعزز القدرة التنافسية للدولة.
وقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن النهضة الحقيقية لم تبدأ من الموارد الطبيعية بل بدأت من الاستثمار في الإنسان. فكل دولة وضعت التعليم والبحث العلمي في مقدمة أولوياتها استطاعت أن تحقق نقلات نوعية في الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا وأن تبني مجتمعًا أكثر استقرارًا وازدهارًا.
إن بناء الإنسان ليس مسؤولية مؤسسة واحدة بل هو مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ من الأسرة وتتجسد في المدرسة وتتطور من خلال الجامعات ومراكز البحث العلمي والإعلام والمؤسسات الثقافية. فتكامل هذه الأدوار هو الضمان الحقيقي لإعداد أجيال تمتلك العلم والوعي والانتماء والقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
إن الأمم العظيمة لا تُبنى بالحجر وحده بل تُبنى بالعقول التي تفكر والقلوب التي تنتمي والسواعد التي تعمل بإخلاص. لذلك فإن الاستثمار في الإنسان سيظل الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي ناجح وأحد أهم مقومات الأمن القومي في الحاضر والمستقبل.
وفي الختام فإن بناء الإنسان ليس مسؤولية مؤسسة واحدة بل هو مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ من الأسرة وتتجسد في المدرسة وتتطور بالبحث العلمي والابتكار. فكل استثمار في الإنسان اليوم هو استثمار في أمن الوطن وازدهاره غدًا وهو الطريق الحقيقي نحو مستقبل أكثر استقرارًا وتنافسية وقدرة على مواجهة تحديات العصر وصناعة مستقبل يليق بالأجيال القادمة







