الكاتب الصحفي أحمد حمدي يكتب: الجامعات التكنولوجية أولًا.. رسالة إلى وزير التعليم العالي

تابعتُ وأتابع يوميًا ما يحدث داخل أروقة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بعد تولي الدكتور عبد العزيز قنصوة منصب وزير التعليم العالي والبحث والتطوير، لتحديد ملامح الفترة المقبلة من خطط الوزارة وتوجهات المرحلة مع الوزير الجديد. وحتى الآن صدر عن الدكتور قنصوة بيان صحفي حدّد فيه طبيعة العمل الخاص بالوزارة، وأبرز التنافسية الدولية في بيانه، وكذلك في تصريحاته الإعلامية من مكتب الإسكندرية بداية الأسبوع الجاري، التي أكد فيها أهمية التنافسية الدولية للجامعات المصرية، وكذلك الاهتمام بجدارة الخريج المصري، فضلًا عن الاهتمام بالبحث العلمي المرتبط بالتحديات المجتمعية.
ولكن ما أتمناه من الوزير، بجانب الملفات التي سيعمل عليها الدكتور قنصوة، هو ملف الجامعات التكنولوجية؛ هذا الملف الذي أرى أنه لا يحتمل رفاهية الانتظار. فلابد من النظر إليه بعين الأمن القومي للدولة، بدلًا من الاكتفاء بزيادة عدد المقاعد الجامعية التقليدية. وخلال مرحلة فارقة تنادي فيها الدولة بجمهورية جديدة قوامها الإنتاج والصناعة، لابد من التوسع في الجامعات التكنولوجية، والتوقف المؤقت عن التوسع في الجامعات الأهلية.
الجامعات التكنولوجية التي تعمل عليها الدولة الآن، وبدأت لأول مرة الدراسة في عام 2019، حيث بدأت ثلاث جامعات في ذلك العام، ووصل العدد إلى 15 جامعة تكنولوجية حكومية وخاصة. وهذا رقم محمود خلال ست سنوات، وقد حققت تلك الجامعات نجاحًا كبيرًا في جودة الخريج، وهو ما يظهر في مشروعات وابتكارات عديدة خرجت من طلاب هذه الجامعات، أتحدث معهم وأنقل عنهم عبر القاهرة 24 تصريحاتهم وابتكاراتهم.
ما بين المحمود والمرجو فارق كبير؛ فنرجو من الوزارة الكثير، وهو وضع هذا الملف على رأس الأولويات، سواء من حيث التوسع على مستوى العدد أو الاهتمام بالجودة. وبالفعل كانت هناك توجيهات من القيادة السياسية منذ عام 2023 بزيادة عدد الجامعات وافتتاح جامعة في كل محافظة، وتبلور ذلك في إعلان وزارة التعليم العالي العمل على إنشاء 17 جامعة تكنولوجية حكومية. ومنذ إعلان الوزارة في 2023 عن البدء في إنشاء هذه الجامعات الجديدة وفقًا لتوجيهات القيادة السياسية، لم نرَ أي تقدم في هذا الملف، سواء على مستوى الإنشاءات أو على مستوى الكليات والبرامج التي ستعمل بها، والتي من المؤكد أنها ستكون مرتبطة بطبيعة كل محافظة تُنشأ بها الجامعة.
وذلك على خلاف ملف الجامعات الأهلية، الذي وصلت به الوزارة إلى 32 جامعة خلال سنوات قليلة. فبخلاف الجامعات الأهلية المنشأة منذ أكثر من 15 عامًا مثل جامعة النيل والجامعة الفرنسية، بدأت الدراسة خلال الخمس سنوات الماضية في 30 جامعة أهلية، من بينها 12 جامعة منبثقة من جامعات حكومية بدأت العام الماضي، وذلك بعد عام واحد فقط من الإعلان عن تأسيسها، إضافة إلى 12 جامعة أخرى بدأت في 2023 كأول جامعات أهلية منبثقة من جامعات حكومية.
وضعت أمامكم هذه المقارنة حتى نعلم أن الجامعات التكنولوجية كان من الممكن أن تنتهي حتى من تأسيس المنشآت خلال تلك السنوات، وكنا بدأنا هذا العام في افتتاح عدد جديد منها، لاستيعاب الطلب المتزايد عليها. لذا نرجو الاهتمام بهذا الملف الهام، والانتهاء من خطة الدولة بإنشاء جامعة تكنولوجية في كل محافظة، مع التشديد على الجدارات والجودة في كل جامعة تُنشأ، ودعم تلك الجامعات في التنافسية الدولية، ووضعها ضمن ملف الشراكات الدولية، ومنحها فرصة الشهادات المزدوجة حتى يكون أمام المجتمع جامعة متكاملة، فضلًا عن ضبط أعداد الطلاب المقبولين بما يضمن الجودة وإتاحة الفرصة التعليمية الحقيقية للطلاب.
معالي الوزير، إن الاقتصاد القائم على المعرفة والصناعة لا يبنيه الخريج النمطي الذي يدرس بالورقة والقلم فقط، بل يبنيه التقني المحترف الذي يدرس بنظام الجدارات، ويقسم وقته بين التعليم في المحاضرات والتطبيق في المصنع والمعمل. والجامعات التكنولوجية ليست مجرد بديل للتعليم الفني، بل هي العمود الفقري للنهضة الاقتصادية القادمة إذا ما اعتمدنا عليها. فسوق العمل المصري يعاني من زيادة كبيرة في خريجي الكليات النظرية والعلوم الإنسانية، بينما تصرخ المصانع والشركات التكنولوجية طلبًا لفنيين وتكنولوجيين يمتلكون مهارات عملية حقيقية. والجامعات التكنولوجية هي الأقدر على ردم هذه الفجوة بمناهجها التي تعتمد بنسبة 60% على التدريب العملي. لا أكتب شيئًا بعيدًا عن الواقع؛ فعند بداية العمل على نموذج المدارس التكنولوجية التطبيقية في وزارة التربية والتعليم، كنت جالسًا في أحد حفلات التخرج، ورأيت بعيني شجارًا محتدمًا بين عدد من المصانع على توزيع الخريجين للعمل في مصانعهم.
لا يخفى على أحد أن الاستثمار في التعليم العالي والجامعات أصبح يأخذ حيزًا كبيرًا لدى رجال الأعمال وشركات التعليم التي تتنافس فيما بينها، والجامعات التكنولوجية لها أيضًا نصيب من ذلك التنافس؛ حيث افتتح السويدي جامعة السويدي التكنولوجية، وكذلك القاهرة للاستثمار التي افتتحت جامعة ساكسوني التكنولوجية بالتعاون مع ولاية ساكسوني الألمانية. وبجانب ذلك، هناك عدد من الملفات التي تدرسها الوزارة لإنشاء جامعات تكنولوجية خاصة، منها في سوهاج وأخرى في أكتوبر. لذا نرجو الاهتمام بهذه النقطة حتى يكون هناك عدد أكبر من تلك الجامعات، التي تُعد الأساس في بناء أي سوق صناعي.
وأضع أمام سيادتكم نموذج جامعة الدلتا التكنولوجية، التي تميزت في جوائز أكاديمية البحث العلمي، وحصل طلابها على تمويل لعدد كبير من المشروعات. ولكن بعد زيادة أعداد الطلاب المقبولين بهذه الجامعات، فبدلًا من أن كانت الدلتا تقبل مئات الطلاب أصبحت تقبل الآلاف، وهو ما يثير تخوفي من أن تؤثر زيادة الأعداد على الجودة، وألا تبقى هناك تنافسية في التعليم. لذا نرجو ضبط الأعداد في كل برنامج، وإذا كانت الجامعة ترغب في زيادة الأعداد فلابد أن يكون ذلك وفق ضوابط واضحة، وبعد التوسع الفعلي في الإمكانات، مثلما فعلت جامعة بني سويف التكنولوجية بتخصيص أراضٍ جديدة للتوسع وبناء حرم جديد.
وبجانب الأعداد، هناك مطلب آخر يتعلق بآليات القبول، وهنا نتناول شقين: الأول خاص بامتحانات القدرات التي كانت تُجرى في تلك الجامعات وأُلغيت. والسؤال: لماذا أُلغيت؟ ولماذا لا تعود مرة أخرى ويتم قبول الطلاب وفقًا لمعايير محددة تضمن جودة الخريج الذي يحتاجه سوق العمل المصري والدولي، وكذلك تحتاج إليه الدولة في مشروعاتها القومية؟ أما الشق الثاني فهو تنسيق الجامعات التكنولوجية المنفصل عن تنسيق الجامعات الحكومية، فلماذا لا يوضع إطار محدد لهذه الجامعات عبر موقع التنسيق، خاصة بعد زيادة أعدادها خلال السنوات الأخيرة؟
مستقبل الخريج مطلب آخر، وليس لي وحدي، بل أنقل لكم مطالب طلاب الجامعات التكنولوجية فيما يخص الملف النقابي، الذي يشغل بالهم خصوصًا الدفعات الأولى. وقد أولت وزارة التعليم العالي هذا الملف أهمية، حيث قامت الوزارة بدور كبير في هذا الجانب وتبقي خطوات لخروجها للنور لذا نأمل من الوزارة دعم هذا الملف، كرسالة طمأنة للطلاب.
أخيرًا، ملف التسويق الإعلامي والترويج لتلك الجامعات. حيث تترأس لجنة الترويج الإعلامي للجامعات المصرية عبر مختلف المنصات، لذا نأمل دعم الجامعات التكنولوجية في هذا الجانب من خلال إنتاج محتوى رقمي متنوع يخاطب الفئات المستهدفة في الداخل والخارج، حتى نصل بهذه الجامعات إلى كل أسرة. فكثيرًا ما أفاجأ، عند تقديم نصيحة لولي أمر بشأن مستقبل ابنه والتوصية بالتقدم للجامعات التكنولوجية، بعدم معرفتهم الكافية بطبيعة هذه الجامعات ودورها.








