أهم الأخبارمقالات الرأي

جامعة الموز!

بقلم الدكتور عادل النجدى :
حين يتحول الخطأ الإداري إلى أزمة تهدد مستقبل مئات الطلاب، وحين يصبح الطالب الذي التزم بالشروط وسدد مصروفاته الدراسية هو من يدفع ثمن خطأ لم يرتكبه، فإن الأمر يتجاوز مجرد خطأ في إجراءات القبول أو التسجيل، ليصبح سؤالًا أكبر عن احترام القانون واللوائح داخل مؤسسات التعليم العالي. ومن هنا خطر ببالي مصطلح «جمهوريات الموز»؛ لأتساءل: هل يمكن أن نكون أمام نموذج من «جامعة الموز» في التعليم العالي؟
فقد ساد مصطلح «جمهوريات الموز» في ستينيات القرن الماضي على بعض دول أمريكا اللاتينية، التي اشتهرت بتصدير الموز و التي كانت تعيش بلا قانون سائد يحكمها، ويبدو أننا في القرن الحادي والعشرين لدينا ما يشبه تلك الجمهوريات في التعليم العالي، وهي «جامعة الموز»؛ تلك الجامعة التي لا تسير وفق قانون وقواعد الجامعات الأخرى الثابتة، والتي يفترض أن يكون لها قانون يحكمها، ابتداءً من تعيين قياداتها وموظفيها، وانتهاءً بقبول الطلاب فيها.
وخطر ببالي هذا المصطلح عندما تلقيت أول من أمس الخميس، مكالمة مطولة من صديق يطلب رأيي. فبعد قبول ابنته بجامعة جنوب الوادي الأهلية، بكلية التمريض، فوجئ بمكالمة من أحد المعيدين يطلب منه الحضور يوم السبت، عاجلًا، لاستلام ملف ابنته، فقد تم نقلها إلى جامعة بني سويف الأهلية.
فقلت له: مستحيل أن يحدث ذلك؛ فالمعروف والمطبق لدى الجامعات الخاصة والأهلية أن هناك «سيستم» تابعًا للوزارة، يستحيل أن يقبل طالبًا ويسدد الرسوم ويسجل على سيستم الوزارة، ثم يتم نقله. وحتى نقل الطالب من جامعة إلى أخرى لا يتم إلا بعد حذفه من الجامعة الأولى. كما أن هذا السيستم لا يقبل إضافة طالب واحد فقط زيادة على العدد المقرر لكل كلية من جانب وزارة التعليم العالي.
وأبلغته بعدم الذهاب، وأن هذا بالتأكيد شخص «بيهزر» معه.
إلا أنني فوجئت اليوم بفيديوهات واستغاثات من أولياء أمور طلاب في كليات أخرى، تم نقلهم إلى جامعات أخرى في أسيوط والمنيا الأهلية وغيرها، فضلًا عن اعتراف رسمي من إدارة الجامعة وبحضور رئيسها الجديد د عباس منصور بأنها قبلت أكثر من 400 طالب في ست كليات، أبرزها الطب والصيدلة، بأعداد تتجاوز العدد المقرر لها قانونًا من الوزارة.
أي أن المشكلة ليست مشكلة طالب واحد، بل عشرات الطلاب.وهذا ما جعل مصطلح «جامعة الموز» ينطبق على تلك الجامعة التي لا تسير وفق القواعد أو القوانين.
فكيف يُقبل طالب، ويسجل على سيستم الوزارة، ويدفع المصروفات الدراسية، ثم يفاجأ في بداية الأسبوع الثالث من الدراسة بنقله إلى جامعة أخرى تبعد مئات الكيلومترات؟ وتحت أي مسمى أو قانون يتم قبول طالب مستوفٍ للشروط، ثم نقله إلى جامعة لم يتقدم إليها أصلًا، وقد لا يرغب في الالتحاق بها، وذلك في الأسبوع الثالث من الدراسة؟ ولكي يستوفي أوراقه ويسحب ملفه، ثم يبحث عن سكن، فإنه قد يحتاج إلى أسبوعين، لتكون امتحانات منتصف الفصل على الأبواب، وهو في الشارع!
كل ذلك ليس بسبب خطأ ارتكبه الطالب، وإنما لأن موظفي وإدارة الجامعة تجاوزوا في قبول طلاب بأعداد تزيد عما قررته الوزارة. فقد أعمت أعينهم الملايين التي يدفعها هؤلاء الطلاب عن القانون واللوائح و مستقبل طلاب وثقوا في جامعة تعيش في عصر « جمهوريات الموز ».
القضية هنا ليست مجرد أرقام زائدة في كشوف القبول، ولا مجرد خطأ إداري يمكن تصحيحه بنقل الطلاب من مكان إلى آخر. القضية تتعلق بحقوق طلاب دفعوا أموالهم، واختاروا جامعة، وبدأوا دراستهم، وبنوا خططهم وحياتهم على أساس قبول رسمي يفترض أن يكون مستندًا إلى القانون واللوائح.
وإذا كان هناك خطأ في أعداد المقبولين، فليس من العدل أن يتحمل الطالب وحده تبعات خطأ لم يرتكبه. فالجامعة التي أخطأت في القبول عليها أن تتحمل مسؤولية خطئها، لا أن تنقل فاتورة هذا الخطأ إلى الطالب وأسرته ومستقبله.
أما أن يصبح القبول صحيحًا يوم دفع المصروفات، والتسجيل صحيحًا يوم سلم ملفه وشهاداته ليثبت قيده ، ثم يتحول الطالب فجأة إلى «رقم زائد» بعد أسبوعين أو ثلاثة، فهنا لا بد أن نتوقف طويلًا أمام السؤال: أين كانت اللوائح؟ وأين كانت الرقابة؟ ومن المسؤول؟
التعليم العالي لا يحتمل «جامعة الموز»، لأن مستقبل الطلاب ليس حقلًا للتجارب، والقانون لا يجوز أن يكون حاضرًا عند تحصيل الملايين، وغائبًا عندما تظهر أخطاء الإدارة.








الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock