الخبيرة التربوية منار البطران تكتب : التعليم بين هيبة القانون… وحماية مستقبل المتعلمين

لا توجد أمة استطاعت أن تبني مستقبلًا قويًا دون أن تجعل التعليم على رأس أولوياتها. فالتعليم ليس مجرد سنوات يقضيها الطالب داخل قاعات الدراسة، وليس شهادة تُعلق على الحائط، بل هو مشروع وطني تُبنى به العقول، وتُصنع به الكفاءات، وتُرسم به ملامح المستقبل.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على منظومة التعليم ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هو واجب تشارك فيه المؤسسات التعليمية، وأولياء الأمور، والإعلام، وكل من يؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن تقدمه أي دولة لأبنائها.
لقد أصبح من الضروري أن يدرك الجميع أن احترام القوانين المنظمة للعملية التعليمية ليس عائقًا أمام التطوير كما يظن البعض، بل هو الضمان الحقيقي لتحقيق العدالة، وحماية حقوق الطلاب، والحفاظ على قيمة الشهادات العلمية. فلا يمكن الحديث عن تعليم قوي في ظل غياب الانضباط أو السماح بأي ممارسات تخرج عن الإطار القانوني.
إن الطالب هو الحلقة الأهم في هذه المنظومة، ولذلك يجب أن يكون مستقبله بعيدًا عن أي مغامرات أو وعود لا تستند إلى أسس قانونية واضحة. فالأسرة التي تضحي بوقتها وجهدها وأموالها تستحق أن تطمئن إلى أن أبناءها يتلقون تعليمًا معتمدًا، داخل مؤسسات تعمل وفق معايير واضحة ورقابة مسؤولة، تضمن لهم مستقبلًا يليق بطموحاتهم.
كما أن تطوير التعليم لا يتحقق بالمباني الحديثة أو الحملات الدعائية وحدها، وإنما يتحقق بالالتزام بالقانون، والارتقاء بالمحتوى العلمي، وتأهيل الكوادر التعليمية، وتوفير بيئة تعليمية آمنة تحترم عقل الطالب وتمنحه المعرفة الحقيقية، لا مجرد شهادة ورقية.
وفي المقابل، فإن أي تجاوز للقواعد المنظمة للعملية التعليمية ينعكس بصورة مباشرة على المجتمع بأكمله، لأن التعليم لا يصنع فردًا فقط، بل يصنع أجيالًا كاملة. ولهذا فإن تطبيق القانون بعدالة على الجميع هو حماية لهيبة الدولة قبل أن يكون تنظيمًا لمؤسسة أو تصحيحًا لمسار.
كما تقع على عاتق أولياء الأمور مسؤولية كبيرة في تحري الدقة قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بمستقبل أبنائهم. فالإعلانات الجذابة لا تكفي، والكلمات الرنانة لا تمنح اعتمادًا، والوعود مهما كانت براقة لا يمكن أن تكون بديلًا عن الشرعية والالتزام.
إننا اليوم بحاجة إلى ترسيخ ثقافة جديدة، عنوانها أن التعليم مسؤولية قبل أن يكون خدمة، ورسالة قبل أن يكون استثمارًا، وحق أصيل لكل طالب لا يجوز العبث به أو المتاجرة به.
وعندما يلتزم الجميع بالقانون، وتُطبق المعايير على الجميع دون استثناء، يصبح التعليم أكثر قوة، وتزداد ثقة المجتمع في مؤسساته، ويحصل كل طالب على فرصته العادلة، بعيدًا عن أي تمييز أو فوضى.
إن مستقبل الوطن يبدأ من الفصل الدراسي، وهيبة الدولة تبدأ من احترام قوانينها، والنهضة الحقيقية تبدأ من تعليم يحترم العقل، ويصنع الإنسان، ويؤمن بأن الاستثمار في المعرفة هو الاستثمار الذي لا يخسر أبدًا.
وفي النهاية، ستبقى الحقيقة ثابتة لا تتغير…
التعليم ليس مجالًا للمجاملات، ولا ساحة للمصالح، ولا تجارة بالأحلام، بل رسالة وطنية عظيمة، ومسؤولية مشتركة، وأمانة في أعناق الجميع








