أهم الأخبارتقارير وحوارات

قراءة فى نتائج تنسيق الجامعات الحكومية

عبد الرحمن عبادى يكتب:

منذ إعلان نتائج المرحلة الأولى لتنسيق الجامعات الحكومية (العامة ) ،انتشرت تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي عن أسباب ارتفاع الحدود الدنيا الكبير لكليات الهندسة والصيدلة مقارنة بالعام الماضى رغم تشابه ظروف ومجاميع العامين بنسبة كبيرة ،البعض قفز لاستنتاجات تربطها مباشرة بتوجهات لتقليص الفرص المتاحة فى الجامعات الحكومية لصالح الخاصة والأهلية .
نتائج هذا العام وزيادة مجاميع طلاب علمى علوم وعلمي رياضة كانت تشير فعلا إلى حدود مرتفعة عن العام الماضى تقدر فى قطاع العلوم من درجتين إلى أربعة فقط ،ومن ٨ إلى ١٠ درجات فى علمى رياضة فوجدنا زيادة ٦درجات فى الصيدلة و١٦ فى الهندسة
قراءة النتائج تؤكد فعلا خفض أعداد المقبولين بكليات القطاع الطبى والهندسة وخاصة كليات الهندسة والصيدلة هذا العام عن الأعوام السابقة..لانحتاج إلى خبير أوعالم ببواطن الأمور لإدراك ذلك ، لأن المقارنة البسيطة بين السنوات الثلاثة الأخيرة تشير بوضوح إلى خفض نسبة تتراوح بين ٢٠ إلى ٣٠% من مقاعد تلك الكليات ،فى عام ٢٠٢٠ استوعبت كليات الهندسة ١٦٦٦٥ طالبا بشعبة الرياضةفى المرحلة الأولى ومايقرب من ٢٠٠٠ مكان من طلاب المرحلة الثانية ، أما العام الماضى فاستوعبت المرحلة الأولى١٦٢٩٣ وظل هناك أيضا مايقرب من ألف مكان بالثانية، أما العام الحالي فقد ضمت المرحلة الأولى ١٥الفا و٢٢٠ طالبا فقط من علمى رياضة ومع ذلك توقف الحد الأدنى للقبول بها من المرحلة الأولى بل وشغل عددا لا يقل عن ألف طالب من أبناء المرحلة الأماكن المتاحة ببعض كليات الحاسبات التى كانت تتاح بالكامل عادة لطلاب المرحلة الثانية طبعا هناك طلاب يفضلون الحاسبات على الهندسات لكن عددهم لايزال قليلا .
على الجانب الآخر فى عام ٢٠٢٠ استقبلت كليات القطاع الطبى وتشمل الطب والأسنان والعلاج الطبيعى والصيدلة حوالى ٣٠ ألف طالب ،تقلصت إلى ٢٦ ألفا العام الماضى وهو الرقم الطبيعى للطاقة الاستيعابية الحقيقية لتلك الكليات، أما هذا العام فكل المؤشرات كانت تؤكد خفض الأماكن إلى ٢٢ألف و٩٥٤ فقط بعد توقف المقبولين بالمرحلة الأولى عند ذلك الرقم ،لكن مع إعلان النتائج فوجئ الجميع بتوقف القبول بكليات الصيدلة عند رقم أعلى ٤ درجات من الحد الأدنى للمرحلة التى تضم ال٢٢٩٠٠ طالب ،وإذا عرفنا أن كل درجة فى تلك الشريحة المجموعية تضم فى المتوسط ألف طالب على الأقل فإن ذلك يعنى توجيه ٤ آلاف تقريبا من طلاب المرحلة الأولى علمى علوم لكليات مثل الحاسبات والمعلومات والطب البيطرى وهو مايحدث للمرة الأولى .
الخلاصة ..نعم كان هناك تخفيض واضح ولافت للطاقة الاستيعابية فى بعض قطاعات كليات الجامعات الحكومية خاصة كليات الهندسة والصيدلة وتراوح بين ٢٠ إلى ٢٥% تقريبا ..فماأسباب ذلك ؟
يأتي على رأس الأسباب المباشرة والمعلنة والواضحة الاستجابة لتوصيات لجان القطاعات العلمية المستمرة لتقليص أعداد المقبولين ،بما يتناسب مع متطلبات الجودة وحقيقة الطاقة الاستيعابية للمعامل خاصة وأن القبول كانت تحكمه لسنوات طويلة موائمات سياسية أدت لتضخم كبير فى الكليات التي يقبل عليها المجتمع ،نظرة واحدة لمبنى طلاب إعدادى هندسة بالقاهرة وعين شمس تؤكد تكدس الطلاب بصورة تفوق إمكانيات المبنى .
يعتقد المخططون للتعليم العالى أن هذا سيساعد الجامعات الحكومية على التنفس قليلا وتحقيق جودة العملية التعليمية ..لكن هناك سبب مباشر آخر
منذ سنوات لم تتوقف النقابات المهنية عن المطالبة بتقليص هذا الكم الكبير من خريجى تخصصات الهندسة والصيدلة والأسنان، صحيح ردود المجلس الأعلى للجامعات فى آخر عامين على تلك المطالب بخطابات مضمونها ( شأن خاص بينا مش بيكم) لكن فى النهاية تحقق ما أرادته النقابات .. لكن هل سيكون ذلك مرضيا للنقابات التى ضجت من ضعف الخريج والعدد الكبير.. خاصة وأن هذا التقليص قابله توسع آخر فى أعداد المقبولين بتلك القطاعات العلمية فى الجامعات الخاصة والأهلية الجديدة والتى تتجاوز طاقتها الاستيعابية فى كليات مثل طب الأسنان والعلاج الطبيعى طاقة الجامعات الحكومية مجتمعة ، وآخر رقم للطاقة الاستيعابية للجامعات الخاصة وحدها كان ١٦ ألف مكان للكليات الطبية وأكثر من ٦آلاف للهندسية ،بخلاف ٤٥ معهدا هندسيا تخرج ١٥ ألفا سنويا من حاملى بكالوريوس الهندسة ،
لم نتحدث بعد عن الطاقة الاستيعابية ل١٢ جامعة أهلية ستبدأ الدراسة بها هذا العام !!
أيضا هل تتحقق الجودة فى الجامعات الحكومية فى ظل ذلك النزيف المستمر لكوادرها الأكاديمية باعتبارها المورد الوحيد المتاح حاليا لإ مداد مختلف الأنظمة التعليمية الأخرى بكوادر التدريس؟ .
مع كل هذا ..هل ستستفيد الجامعات الأهلية والخاصة من هذا الخفض للأعداد فى الجامعات الحكومية ..الواقع والخبرة والدراسات العلمية تقول لن يحدث ذلك..قد تنافس الجامعات الأهلية الجديدة الجامعات الخاصة وتدفع بعضها إلى خفض مصروفاتها لكنها لن تجذب شرائح مجتمعية أخرى تفوق نسبة ال٧% القادرة على تحمل تكاليف التعليم الخاص حتى هؤلاء الذين كانوا يلجئون إلى بيع أصول ومدخرات لتعليم أبنائهم سيفكرون ألف مرة قبل اتخاذ قرار الاتجاه للتعليم الخاص أو الأهلى ، ارجعوا لإحصاءات إنفاق الأسر على التعليم الصادرة عن جهاز الإحصاء منذ إنشاء ذلك النوع من الجامعات فى تسعينيات القرن الماضى .
ماسيحدث هو استمرار تفريغ الجامعات الحكومية من كوادرها التدريسيةفى ظل سياسات تعيين متراجعة ،وإحجام لافت على تلك الوظائف فى بعض التخصصات لضعف الرواتب ،فضلا عن تقليص فرص أبناء المجتمع فى بعض الكليات ، أيضا الجامعات الخاصة ستضطر هي الأخرى تحت ضغط تراجع الاستثمارات إلى مزيد من إهمال الجودة واتباع سياسات مسيئة للمنظومة .
أخيرا ..قد يكون أفضل ما شهدته مصر في السنوات الأخيرة قرار إنشاء هذا العدد الكبير من الجامعات المملوكة بصورة أو بأخرى للدولة ،لأنه تخطيط مستقبلي ممتاز وترسيخ لمفهوم إتاحة العلم والتعليم ، لكن الاستعجال في افتتاحها قبل تمام تجهيزها واستكمال كوادرها وهياكلها الأكاديمية والإدارية كفيل بضرب المشروع كله في مقتل ،ولن نجني من ورائه سوى سمعة سيئة تلتصق بجامعاتنا لفترة ليست قليلة .

الوسوم

موضوعات ذات صلة »

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق