أهم الأخبارجامعات

زكى السعدنى يكتب :عندما يتحول تقريب الاغتراب إلى منفى لطلاب الجامعات المستجدين؟!

أولياء أمور: نريد جامعة قريبة من أبنائنا.. وليس ترحيلًا من محافظة إلى أخرى

كان من المفترض أن يكون إعادة فتح «تقليل الاغتراب» هو طوق النجاة الأخير للطلاب وأسرهم، وأن يمثل فرصة حقيقية لتقريب الطالب من محل إقامته، وتخفيف مشقة السفر والإقامة بعيدًا عن الأسرة.. لكن شكاوى عدد من الطلاب وأولياء الأمور تكشف عن مفارقة مؤلمة: بعض الطلبات التي كان أصحابها ينتظرون منها إنهاء معاناة الاغتراب، انتهت – بحسب شكاوى متداولة – إلى ترشيحات في محافظات بعيدة، لتتحول فكرة «التقريب» في نظر هؤلاء الأسر إلى اغتراب جديد.
المفارقة أن وزارة التعليم العالي أعلنت فتح باب تقليل الاغتراب للمرة الثالثة لطلاب الثانوية العامة بمختلف مراحلها، إلى جانب طلاب مدارس STEM ومدارس النيل، وهو ما يعكس حرص الوزارة على إتاحة فرصة إضافية أمام الطلاب لتعديل أوضاعهم في حدود القواعد والضوابط المنظمة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يكفي فتح باب تقليل الاغتراب إذا كانت النتيجة النهائية لبعض الطلاب هي الابتعاد أكثر عن محل الإقامة؟
«تقليل الاغتراب».. الاسم شيء والواقع شيء آخر
القواعد المعلنة لتنفيذ تقليل الاغتراب ترتبط بالطاقة الاستيعابية للكليات، وقواعد التوزيع الجغرافي والشروط المنظمة للتحويلات. وقد أكدت وزارة التعليم العالي في إعلان سابق أن تنفيذ الطلبات يتم إلكترونيًا وفي حدود الطاقة الاستيعابية وطبقًا لقواعد التوزيع الجغرافي.
وهنا تحديدًا تكمن المشكلة التي يطرحها أولياء الأمور: القواعد قد تكون واضحة على الورق، لكن تطبيقها يحتاج إلى قدر أكبر من المرونة الإنسانية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بطالبات صغيرات السن ينتقلن لأول مرة من مرحلة المدرسة إلى الحياة الجامعية.
فليس كل طالب يستطيع بسهولة أن ينتقل مئات الكيلومترات بعيدًا عن أسرته، وليس كل أسرة لديها القدرة المادية أو النفسية على توفير إقامة آمنة ومناسبة في محافظة بعيدة.
الطالبات.. القصة الأكثر حساسية
الأمر يصبح أكثر حساسية عندما تكون الطالبة هي التي تواجه الاغتراب.
فأسرة الطالبة لا تنظر إلى المسألة باعتبارها مجرد «مكان للالتحاق بالكلية»، وإنما تسأل عن المسافة، ووسيلة الانتقال، ومكان الإقامة، والأمان، وإمكانية العودة إلى المنزل، وتكاليف المعيشة، ومدى قدرة الأسرة على متابعة ابنتها طوال سنوات الدراسة.
ومن هنا، فإن شكاوى الأسر لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها اعتراضًا على قواعد التنسيق ذاتها، وإنما باعتبارها مناشدة لإعادة النظر في بعض الحالات الإنسانية التي قد تجعل تطبيق القاعدة الجامدة أكثر قسوة من الهدف الذي وضعت القاعدة من أجله.
من «تقريب المسافات» إلى «ترحيل الرغبات»
المشكلة الحقيقية التي تستحق الدراسة ليست في وجود قواعد للتوزيع الجغرافي، وإنما في الحالات التي يجد فيها الطالب نفسه أمام نتيجة بعيدة للغاية عن محل إقامته، رغم تقدمه بطلب تقليل الاغتراب.
هنا يشعر الطالب وولي الأمر أن «التقليل» لم يقلل شيئًا من الاغتراب، بل ربما زاد المسافة وأعاد المشكلة من نقطة البداية.
ولذلك فإن المطلوب ليس إلغاء قواعد التنسيق، ولا تجاوز الطاقة الاستيعابية للكليات، وإنما إيجاد مساحة أوسع للتعامل مع الحالات التي يمكن فيها تحقيق قدر أكبر من القرب الجغرافي دون الإخلال بقواعد القبول.
رسالة إلى الدكتور قنصوة
الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كان قد وجه عند بدء مرحلة تقليل الاغتراب بتيسير الإجراءات أمام الطلاب وتقديم التوعية اللازمة لهم بما يضمن استفادتهم من القواعد والضوابط المنظمة للمرحلة.
ومن هنا تأتي المناشدة: إذا كانت الوزارة قد فتحت باب تقليل الاغتراب للمرة الثالثة، فلماذا لا تكون هذه الفرصة أيضًا مدخلًا لمعالجة الحالات الأكثر تضررًا؟
لماذا لا تتم مراجعة الحالات التي تم فيها توزيع طلاب وطالبات على محافظات بعيدة للغاية عن محل إقامتهم، مع بحث إمكانية إعادة توزيعهم على كليات أقرب، متى توافرت أماكن تسمح بذلك ودون الإخلال بقواعد القبول؟
«التقريب» يحتاج إلى رؤية أكثر إنسانية
التنسيق الإلكتروني يحقق العدالة في تطبيق القواعد، لكن العدالة لا تعني فقط أن يحصل الجميع على النتيجة وفق معادلة واحدة؛ وإنما تعني أيضًا أن تكون هناك آليات للتعامل مع الظروف الاستثنائية والحالات الإنسانية التي تستحق النظر.
فالطالب الذي يقضي ساعات طويلة يوميًا في السفر، أو الطالبة التي تضطر إلى الإقامة في محافظة بعيدة عن أسرتها، لا تبدأ عامها الجامعي بنفس الظروف التي يبدأ بها زميل يدرس في جامعته القريبة من منزله.
وهنا يجب أن تكون هناك موازنة بين قواعد التوزيع الجغرافي من ناحية، والبعد الاجتماعي والإنساني للقرار من ناحية أخرى.
المطلوب.. «تقليل اغتراب حقيقي»
أولياء الأمور لا يطالبون بمجاملة طالب على حساب آخر، ولا يطلبون تجاوز الحد الأدنى أو الطاقة الاستيعابية للكليات.
المطلب ببساطة هو: إذا كان الهدف من تقليل الاغتراب هو تقريب الطالب من محل إقامته، فيجب أن تكون الأولوية – قدر الإمكان – للبحث عن مكان أقرب، لا أن يجد الطالب نفسه في محافظة أبعد.
والأهم أن تكون هناك مراجعة للحالات التي أثارت استياء الأسر، خصوصًا الطالبات، مع إتاحة بدائل أقرب متى توافرت أماكن وفق القواعد.فالتنسيق ليس مجرد أرقام وحروف على شاشة الكمبيوتر.. إنه مستقبل ملايين الطلاب، وحياة أسر كاملة تتغير بقرار ترشيح جامعي واحد.
وفي النهاية، يبقى السؤال أمام وزير التعليم العالي ومكتب التنسيق:هل نستطيع أن نجعل «تقليل الاغتراب» تقليلًا حقيقيًا لتقريب المغتربين لمحل إقامتهم وليس نفيهم فى محافظات نائيه ؟!







الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock