أهم الأخبارجامعات
زكى السعدنى يكشف المستور فى ازدواجية المعايير للقبول بكليات القمه ؟!من 94.06% إلى 50%.. من يعبث بمستقبل الطب في مصر؟
طب الـ50% يفتح ملف فروع الجامعات الأجنبية.. وجدل المستشفيات التعليمية يكشف خلل خطير في منظومة القبول والجودة

لم يعد السؤال المطروح في ملف التعليم الطبي في مصر هو: كيف نزيد أعداد كليات الطب؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف نضمن أن كل من يحصل على حق دراسة الطب يمتلك الحد الأدنى من المقومات العلمية التي تؤهله لحمل مسؤولية علاج المرضى؟
السؤال أصبح أكثر إلحاحًا بعد الجدل الذي أثير حول قبول طلاب في كليات طب تابعة لأفرع جامعات أجنبية في مصر بمجاميع تبدأ من 50% في الثانوية العامة، في الوقت الذي بلغ فيه الحد الأدنى للقبول بكليات الطب الحكومية في تنسيق 2026 نحو 94.06%، بينما حُدد الحد الأدنى للطب في الجامعات الأهلية عند 85%، وفي الجامعات الخاصة عند 81%.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق تحقيقًا ومراجعة عاجلة من وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات: هل يجوز أن تتسع الفجوة في معايير الالتحاق بالطب إلى هذا الحد، لمجرد اختلاف الإطار القانوني أو المؤسسي للجامعة؟
طالب التحق بكلية الطب الحكومية بعد حصوله على 94.06% على الأقل، يقابله طالب آخر يُتاح له – وفق ما أثير في ملف بعض الفروع الأجنبية – الالتحاق بدراسة الطب بمجموع يبدأ من 50%.
الفارق هنا ليس رقمًا عابرًا في شهادة الثانوية العامة، وإنما فارق ضخم في نقطة الانطلاق الأكاديمية.
والأخطر أن الأمر يتعلق بالطب تحديدًا، وهي مهنة لا تنتهي مسؤوليتها بالحصول على شهادة جامعية، وإنما تبدأ بعدها مسؤولية التعامل مع حياة الإنسان وسلامته.
وقد عبرت نقابة الأطباء بالفعل عن رفضها لقبول طلاب الطب بمجموع 50%، وطالبت بتطبيق الحد الأدنى المصري على الفروع الدولية التي تقبل بهذه النسب.
هل «الجامعة الأجنبية» تمنح استثناءً من قواعد الجودة؟
لا أحد يعترض على فكرة تدويل التعليم أو استضافة فروع لجامعات أجنبية في مصر.بل إن الدولة نفسها تعتبر تدويل التعليم وتعزيز حضور الجامعات الدولية جزءًا من توجهها لتطوير التعليم العالي وجعل مصر مركزًا إقليميًا للتعليم والخدمات التعليمية. كما أن فروع جامعات أجنبية تعمل في مصر وفق أطر قانونية وقرارات جمهورية.لكن التدويل لا ينبغي أن يعني ازدواجية معايير.
فإذا كان الطالب المصري الذي يرغب في دراسة الطب داخل جامعة حكومية مطالبًا بتحقيق مجموع يقترب من 95%، وإذا كانت الجامعات الخاصة والأهلية نفسها تخضع لحدود دنيا معلنة، فمن حق المجتمع أن يعرف بوضوح:
ما الأساس العلمي والقانوني الذي يسمح بقبول طالب في برنامج طبي بمجموع 50%؟
وهل تخضع هذه البرامج للمعايير الأكاديمية والطبية المصرية نفسها؟ وهل هناك اختبارات قدرات أو معايير إضافية تعوض الفارق الكبير في مجموع الثانوية العامة؟ وهل القواعد واحدة في جميع البرامج أم أن لكل فرع أجنبي قواعد مختلفة؟
هذه ليست أسئلة موجهة ضد الطلاب، وإنما أسئلة مشروعة عن مسؤولية الدولة في ضمان جودة الطبيب الذي سيتعامل مستقبلًا مع المرضى.
المشهد يصبح أكثر إثارة للقلق عندما نضع ملف القبول بجوار ملف آخر فتحته الحكومة بنفسها قبل أيام، وهو ملف المستشفيات التعليمية والتدريبية لطلاب كليات الطب بالجامعات الخاصة.
ففي اجتماع عقده الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، يوم 2 سبتمبر 2026، لمتابعة موقف المستشفيات التعليمية والتدريبية لطلاب كليات الطب بالجامعات الخاصة، أكد بوضوح ضرورة التزام الجامعات التي تضم كليات للطب بتوفير مستشفى تعليمي وتدريبي، باعتبار ذلك عنصرًا أساسيًا لضمان البيئة المناسبة للتدريب العملي ورفع مستوى الخريجين.
والأهم أن رئيس الوزراء أعلن أن الواقع أظهر عدم التزام عدد من الجامعات الخاصة باستكمال المستشفيات المطلوبة، ووجه بسرعة حصر الجامعات التي تضم كليات طب، وتحديد موقف كل جامعة من مستشفاها التعليمي والتدريبي، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه الجامعات غير الملتزمة.هنا تحديدًا يجب أن تتوقف وزارة التعليم العالي أمام السؤال:
كيف يُسمح بالتوسع في إنشاء برامج وكليات طبية قبل التأكد من اكتمال البنية الأساسية التي سيحصل داخلها الطالب على تدريبه الإكلينيكي؟لان كلية الطب ليست قاعات محاضرات ومعامل فقط والطبيب لا يتعلم مهنته من الكتب وحدها، وإنما يحتاج إلى تدريب إكلينيكي حقيقي ومنظم، تحت إشراف أساتذة وأطباء، وفي مستشفيات تستوفي المعايير المطلوبة.وارى أن اجتماع رئيس الوزراء مع الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان ووزير التعليم العالى الأسبق وصاحب الخبره الكبير فى ملف التعليم العالى والدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالى والذى جاء لتبنى ملف تدويل التعليم لم يكن اجتماعًا شكليًا، وإنما انتهى إلى توجيهات محددة بسرعة حصر الجامعات الخاصة التي تضم كليات طب، وتحديد موقف كل جامعة من إنشاء وتجهيز المستشفى التعليمي والتدريبي، وإلزام الجامعات باستكمال المستشفيات وفق الجداول الزمنية.
كما طُرح بديل للجامعات التي لم تستكمل مستشفياتها، من خلال بروتوكولات تعاون مع وزارة الصحة تتيح تدريب الطلاب في مستشفيات تابعة للوزارة، وفق ضوابط ومعايير محددة.
وهذا يعني ببساطة أن الدولة نفسها تعتبر المستشفى التعليمي جزءًا أصيلًا من منظومة دراسة الطب وليس رفاهية يمكن تأجيلها.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تخضع جميع الكليات والبرامج الطبية، بما فيها الفروع الأجنبية، للصرامة نفسها في التأكد من وجود بنية تدريبية حقيقية قبل قبول الطلاب؟ومن أخطر ما يجب رفضه في منظومة التعليم الطبي أن يتحول الأمر إلى معادلة مفادها:
كلما انخفض المجموع.. ارتفعت المصروفات!فالتعليم الطبي ليس سلعة عادية يمكن أن يعوض فيها ارتفاع السعر انخفاض متطلبات الالتحاق.
هناك فرق بين إتاحة فرص تعليمية متنوعة أمام الطلاب وبين إسقاط المعايير الأكاديمية التي تضمن الحد الأدنى من جودة المدخلات.
وإذا كانت بعض البرامج تفرض مصروفات مرتفعة للغاية، فإن ارتفاع المصروفات لا ينبغي بأي حال أن يصبح مبررًا لقبول طلاب بفروق هائلة في مجموع الثانوية العامة.
المعادلة الصحيحة يجب أن تكون:القدرة العلمية أولًا.. ثم تأتي المصروفات ونوع الجامعة بعد ذلك.لم تأتِ اعتراضات نقابة الأطباء من فراغ.اعلنت النقابة أنها تؤيد تحديد حد أدنى للطب الأهلي عند 85%، وتطالب بأن يكون الفارق بين القبول في الجامعات الخاصة والأهلية وبين الجامعات الحكومية في حدود معقولة، كما دعت إلى مساواة الفروع الدولية التي تقبل طلابًا بمجموع 50% بالقواعد المصرية.
كما حذر وكيل نقابة الأطباء من خطورة قبول طلاب بهذه النسب، مؤكدًا أن الأمر لا يصلح في مهنة بهذه الحساسية.
وهنا لا بد أن تستمع وزارة التعليم العالي جيدًا إلى صوت النقابة، لا باعتباره اعتراضًا نقابيًا فحسب، وإنما باعتباره جزءًا من النقاش الوطني حول مستقبل المهنة وسلامة المرضى.
المطلوب ليس إغلاق أبواب التعليم الدولي.. بل توحيد معايير الجودة
المطلوب ليس إلغاء فروع الجامعات الأجنبية، ولا التضييق على الاستثمار في التعليم، ولا حرمان الطلاب من فرص تعليمية جديدة.
المطلوب ببساطة هو توحيد معايير الجودة في التخصصات الطبية.
إذا كان الطب يحتاج إلى مستوى علمي محدد، فيجب أن يكون هذا المستوى واضحًا وملزمًا للجميع.
وإذا كانت هناك برامج دولية ترى أن لديها آليات قبول مختلفة، فعليها أن تعلن للرأي العام بشفافية:
ما شروط القبول التفصيلية؟
ما الاختبارات التي يخضع لها الطالب؟
من الجهة التي تراجع جودة البرنامج؟
أين المستشفى التعليمي والتدريبي؟
كم عدد أعضاء هيئة التدريس؟
ما الطاقة الاستيعابية الفعلية للتدريب الإكلينيكي؟
ما المستشفيات التي يتدرب فيها الطلاب؟
وهل شهادات الخريجين تعامل مهنيًا وفق القواعد المصرية نفسها؟
من حق المجتمع أن يعرف.. ومن حق المريض أن يطمئن. القضية في النهاية ليست قضية طالب حصل على 50%، ولا قضية طالب حصل على 94%.
كل طالب له حق في أن يبحث عن مستقبله في إطار القانون.لكن حق الطالب لا ينفصل عن حق المجتمع في طبيب مؤهل.والدولة التي تشدد شروط الالتحاق بالطب الحكومي إلى 94.06%، وتضع قواعد للقبول في الجامعات الخاصة والأهلية، وتناقش على مستوى رئيس الوزراء استكمال المستشفيات التعليمية والتدريبية، مطالبة بأن تقدم إجابة واضحة عن أسباب وجود فجوة هائلة في شروط الالتحاق ببعض البرامج الطبية التابعة لفروع جامعات أجنبية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول فكرة «تدويل التعليم» إلى باب خلفي لتجاوز قواعد الجودة.فالطبيب لا يحمل شهادة فقط.. وإنما يحمل مسؤولية حياة إنسان.ولهذا فإن ملف «طب الـ50%» يحتاج إلى مراجعة عاجلة وشفافة، لا لحماية كليات بعينها، ولا لمجاملة جامعات، وإنما لحماية سمعة التعليم الطبي المصري، ومستقبل المهنة، وحق المريض المصري في طبيب مؤهل ومدرب وفق أعلى المعايير.
والسؤال الذي يجب أن يظل مطروحًا أمام وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات:هل لدينا معيار واحد لجودة طالب الطب.. أم أصبح اسم الجامعة ونوعها قادرًا على تغيير قواعد القبول؟











