الدكتوره ليندا سليم تكتب :يا وزارة التعليم.. ارفعوا السكينة من رقبة الطالب!

هناك فرق كبير بين أن تطلب من الطالب أن يجتهد، وبين أن تجعله يعيش طوال العام وهو يشعر أن السكين على رقبته، الأول يبني طالبًا مسؤولًا، والثاني يبني طالبًا خائفًا، وبين المسؤولية والخوف مسافة لا ينبغي لمنظومة تعليم أن تخلط بينهما.
وبعد الإعلان عن تغيير مواصفات امتحانات الثانوية العامة والبكالوريا، لتصبح 50% أسئلة مقالية و50% اختيارًا من متعدد، يبدو أن أبسط طلب يمكن أن يوجهه الطلاب وأولياء الأمور إلى وزارة التربية والتعليم هو أيضًا أكثرها عدلًا، قولوا لنا بدري شكل الامتحان!
كم سؤالًا سيكون؟ كم منها مقالي؟ وكم منها اختيار من متعدد؟ كم دقيقة سيأخذ الطالب في السؤال؟ وما حجم الإجابة المقالية المطلوبة؟ وكيف ستوزع درجاتها؟ والأهم، هل سيقل عدد الأسئلة بما يتناسب مع زيادة الأسئلة المقالية، أم سيُطلب من الطالب أن يفكر ويحلل ويكتب، ثم يركض في الوقت نفسه خلف عشرات الأسئلة الأخرى؟
يا جماعة، الطالب ليس ماكينة تصوير، ولا جهازًا إلكترونيًا يضغط عليه زر فيخرج الإجابة، السؤال المقالي تحديدًا يحتاج إلى عقل حاضر، ووقت للتفكير، وقدرة على صياغة الإجابة ومراجعتها، ولذلك فإن تغيير طبيعة الامتحان يستوجب بالضرورة إعادة النظر في عدد الأسئلة والزمن، وإلا سنكون قد غيرنا شكل الورقة وتركنا جوهر المشكلة كما هو.
ثم أين النماذج الاسترشادية؟
نريدها بدري، لا قبل الامتحان بوقت يكفي بالكاد لتصويرها وتوزيعها على جروبات أولياء الأمور، نريد الطالب أن يتدرب منذ البداية على شكل السؤال الذي سيقابله في نهاية الطريق، لأن النموذج الاسترشادي ليس منشورًا دعائيًا، وإنما هو خريطة طريق.
الطالب من حقه أن يعرف هل السؤال المقالي يحتاج سطرين أم صفحة، وهل المطلوب منه أن يحفظ أم يحلل أم يربط، ومن حقه أن يعرف كيف ستحتسب الدرجة، ومن حقه قبل كل ذلك ألا يدخل الامتحان وهو يتساءل، يا ترى هيعملوا فينا إيه السنة دي؟
هذا ليس تدليلًا للطلاب، هذه هي العدالة التعليمية في أبسط صورها.
وعلى سيرة العدالة، تعالوا نتحدث عن التربية الدينية، فإذا كانت الدولة ترى أن المادة مهمة في بناء شخصية الطالب، فلماذا لا تعود درجتها إلى النسبة المعتادة التي تجعل النجاح فيها ذا قيمة حقيقية، أو تدخل في المجموع مثلها مثل بقية المواد، وفق قواعد واضحة لا تحتمل التأويل؟
لا يصح أن نقول للطالب إن المادة مهمة جدًا، ثم نضعها في النظام التعليمي وكأنها ضيف خفيف الظل، يحضر وقتما نحتاجه ويختفي وقتما نوزع الدرجات.
لكن عندي اقتراح قديم جدًا، وربما لهذا السبب هو جديد جدًا علينا اليوم، رجعوا دروس التليفزيون.
نعم، دروس التليفزيون او القنوات الفضائيه يا عم الحج.. اقولك خليها منصات الوزارة زي الفل.
أنا من الجيل الذي كان يذاكر ليلة الامتحان مع أمه أمام التليفزيون، لا مع مدرس خصوصي، وكانت الحكاية بسيطة جدًا، المدرس يشرح، وأنا أجاوب، وأمي تسمع، وإذا عرفت الإجابة قبل المذيع أو المدرس، البيت كله يفرح ويصفق.
لم تكن الأسرة تحتاج إلى أن تستدين حتى تشتري للابن جدولًا موازيًا للجدول المدرسي، ولم يكن ولي الأمر يستيقظ كل صباح وهو يحسب، درس العربي كام، والإنجليزي كام، والفيزياء كام، والكيمياء كام، ومن المدرس الذي يأخذ منه فلان، وهل لو لم يأخذ ابني عنده سيضيع؟
والأجمل أنني أتذكر مدرسين كانوا يقولون لأمي، حرام بنتك شاطرة، ما تديهاش دروس، العيال اللي معاها خايبة وهيبلدوها،موش يخوفوا العيال من المنهج عشان يعلوا ثمن الحصة ..
تخيلوا!
مدرس يخاف على تفوق الطالب من الدرس الخصوصي!
كان هناك وقت كان فيه للضمير صوت أعلى من صوت الكاشير.
وأذكر أيضًا كيف كانت أمي ترسل معي سندوتشات وعصيرًا لزميلاتي في اللجنة، وكيف كان من معه طعام زائد يعطيه للعمال، وكانت البركة تعم المكان، وكان التعليم رغم بساطته يحمل شيئًا فقدناه وسط كل هذه التعقيدات، الثقة.
نحن لا نقول عودوا بنا إلى الماضي بكل تفاصيله، وإنما نقول خذوا من الماضي ما نجح، وطوّروه بأدوات الحاضر.
التليفزيون وما على نافذته يمكن أن يصبح اليوم قناة تعليمية وطنية حقيقية، شرحًا ومراجعات ونماذج امتحانات وحصصًا تفاعلية، وكل هذا يصل إلى الطالب مجانًا، بدلًا من أن تتركوه فريسة لسوق الدروس الخصوصية.
أما فكرة إجبار الطالب على المدرسة بالعقوبات والغياب والتهديد، فأقولها بكل صراحة، أنتم تحاولون علاج المشكلة من نهايتها.
الطالب لا يهرب من المدرسة لأنه يحب الغياب فقط، أحيانًا هو يهرب لأنه يعرف أن مدرس الدرس الخصوصي سيشرح له ما لم يفهمه في المدرسة، فإذا أردتم أن يعود الطالب إلى المدرسة، لا تضعوا السكين على رقبته، ضعوا أمامه مدرسًا يجعله يخاف أن يفوّت الحصة!
نعم، هذه هي المعادلة.
إذا كان المدرس في المدرسة قويًا، سيذهب الطالب، وإذا كانت الحصة مفيدة، سيحضر، وإذا شعر الطالب أن ساعة في المدرسة توفر عليه ساعات من الدروس، سيقنع أهله بنفسه أن المدرسة تستحق.
ألا تعرفون كيف تستقطب المنصات انتباه أبنائنا؟ ألا تعرفون كيف يستطيع الأب أن يجعل ابنه يترك الهاتف عندما يريد منه شيئًا مهمًا؟ إذن تستطيعون أن تفعلوا الشيء نفسه في التعليم، اجعلوا الطالب يريد أن ينتبه، بدلًا من أن تهددوه كي ينتبه.
فالسكينة قد تجبر اليد على الحركة، لكنها لا تستطيع أن تجبر العقل على الفهم.
والتهديد قد يصنع حضورًا في كشف الغياب، لكنه لا يصنع طالبًا محبًا للعلم.
والقهر قد يجعل الطالب يجلس على المقعد، لكنه لا يجعله يتعلم.
والمصري تحديدًا لا يُربّى طويلًا بالتهديد، لأنه قد يسكت، وقد يمتثل، لكنه إذا شعر أن السكين على رقبته سيقضي وقتًا طويلًا في البحث عن طريقة لإبعادها.
يا وزارة التربية والتعليم، أنتم أمام جيل مختلف، فلا تعالجوا قلقه بمزيد من القلق، ولا تعالجوا الدروس الخصوصية بإجبار الطالب على الحضور فقط، ولا تعالجوا ضعف المدرسة بعقوبة الطالب.
ارفعوا السكينة، وضعوا بدلها الثقة.
قولوا للطالب مبكرًا شكل الامتحان، أعطوه النماذج الاسترشادية التي يتدرب عليها، راجعوا عدد الأسئلة بما يتناسب مع الأسئلة المقالية، وضحوا قواعد التقييم، وأعيدوا النظر في وضع التربية الدينية، وفكروا في تعليم مجاني يصل إلى كل بيت، واستثمروا في المعلم الذي يستطيع أن يجعل الطالب يقول، أنا ذاهب إلى المدرسة لأنني أريد أن أتعلم.
نحن لا نريد نظامًا يخيف أبناءنا حتى ينجحوا.
نريد نظامًا يقنعهم حتى يتعلموا.
فالتعليم الحقيقي لا يبدأ بورقة الامتحان، ولا ينتهي بدرجة النجاح، التعليم الحقيقي يبدأ في اللحظة التي يشعر فيها الطالب أن المدرسة ليست خصمًا له، وأن الوزارة ليست واقفة فوق رأسه بسكين، وأن المعلم ليس بوابة إجبارية إلى درس خصوصي، وأن الامتحان ليس فخًا ينتظر أن يقع فيه.
اتركوا للطالب فرصة أن يتنفس، وستندهشون كم يستطيع أن ينجح.
أما أن تبقى السكينة فوق الرقبة، ثم نسأل لماذا الطالب متوتر؟
فالإجابة ببساطة، لأنكم أخبرتموه طوال العام أن هناك سكينًا.











