زكى السعدنى يكتب :أساتذة الجامعات.. شركاء صناعة الملايين بالجامعات الحكوميه و الخاصه و الاهليه يستحقون تحسين أجورهم وحوافزهم
الجامعات الخاصة والأهلية تجني عوائد ضخمة من وراء الطلاب.. وأعضاء هيئة التدريس أصحاب النصيب الأكبر من هذا النجاح

لم يعد الحديث عن تحسين الأوضاع المالية لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية مجرد مطلب فئوي، وإنما أصبح قضية تستحق نقاشًا جادًا في ظل التحولات الكبيرة التي شهدها قطاع التعليم الجامعي خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع التوسع في إنشاء البرامج الخاصه بالجامعات الحكوميه وارتفاع اعداد الجامعات الخاصة والأهلية وارتفاع أعداد الطلاب الملتحقين بها، وما يصاحب ذلك من موارد مالية ضخمة.
فأستاذ الجامعة هو حجر الزاوية في العملية التعليمية، وهو الذي يحمل على عاتقه مسؤولية إعداد الطلاب وتأهيلهم لسوق العمل، ووضع البرامج الدراسية وتطويرها، والإشراف على الأبحاث والمشروعات، والمشاركة في أعمال الجودة والاعتماد الأكاديمي، فضلًا عن الأدوار الإدارية والمجتمعية التي يقوم بها داخل المؤسسة الجامعية.
ورغم ذلك، يظل السؤال مطروحًا بقوة: هل حصل أعضاء هيئة التدريس على نصيب عادل من العوائد التي تحققها المؤسسات الجامعية التي تقوم العملية التعليمية فيها أساسًا على جهودهم وخبراتهم؟
الجامعات الخاصة والأهلية أصبحت قطاعًا مهمًا في منظومة التعليم العالي المصرية، وتحصّل مصروفات دراسية مرتفعة من أعداد كبيرة من الطلاب، وهو ما يوفر موارد مالية تمكنها من تطوير منشآتها ومعاملها ومستشفياتها وبرامجها التعليمية.
لكن وراء كل هذه المنظومة يقف عضو هيئة التدريس باعتباره العنصر البشري الرئيسي الذي تتحول من خلاله الإمكانات المادية إلى تعليم حقيقي ونتائج أكاديمية.
فالجامعة لا تستطيع جذب الطلاب أو الحفاظ على سمعتها الأكاديمية أو الحصول على الاعتمادات والجودة أو تحسين ترتيبها إلا بوجود أعضاء هيئة تدريس أكفاء، قادرين على تقديم تعليم جامعي يواكب المعايير الحديثة.
ومن هنا، فإن تحسين أجور أعضاء هيئة التدريس لا ينبغي النظر إليه باعتباره تكلفة إضافية فقط، وإنما باعتباره استثمارًا مباشرًا في جودة التعليم واستدامة نجاح الجامعات.
المفارقة التي تستحق التوقف أمامها أن الطالب يدفع عشرات أو مئات الآلاف من الجنيهات سنويًا في بعض البرامج، بينما قد لا ينعكس النمو الكبير في موارد بعض المؤسسات التعليمية بالقدر الكافي على الوضع المالي لأعضاء هيئة التدريس الذين يمثلون أساس العملية التعليمية.
وبطبيعة الحال، تختلف نظم الأجور والتعاقدات من جامعة إلى أخرى، كما تختلف المصروفات والإمكانات المالية، ولذلك لا يمكن تعميم نموذج واحد على جميع الجامعات.
لكن المبدأ العام يظل واضحًا: كلما زادت إيرادات المؤسسات الجامعية وتوسعت مسؤوليات أعضاء هيئة التدريس، أصبح من الضروري إعادة النظر في نظم الأجور والحوافز بما يتناسب مع حجم المسؤولية والخبرة والجهد المبذول.
الأستاذ الجامعي ليس بندًا في المصروفات.. بل شريك في النجاح
المطلوب اليوم هو إعادة صياغة فلسفة التعامل مع عضو هيئة التدريس، بحيث لا ينظر إليه باعتباره مجرد بند من بنود الإنفاق، وإنما باعتباره شريكًا أساسيًا في نجاح الجامعة.
فاستقطاب أستاذ متميز والحفاظ عليه يحتاج إلى منظومة مالية عادلة، تشمل راتبًا مناسبًا، وحوافز مرتبطة بالأداء، ومقابلًا عادلًا للأعباء الإضافية، ودعمًا حقيقيًا للبحث العلمي والتدريب والتطوير المهني.
كما أن تحسين أجور الأساتذة يمثل رسالة مهمة للطلاب وأولياء الأمور، مفادها أن المؤسسات الجامعية لا تستثمر فقط في المباني والتجهيزات، وإنما تستثمر أولًا في الإنسان الذي يقدم التعليم.
القضية إذن ليست في مطالبة الجامعات الخاصة والأهلية بزيادة الأجور بصورة عشوائية، وإنما في ضرورة وجود سياسة عادلة وشفافة للأجور تراعي إمكانات كل جامعة، وحجم إيراداتها، وأعداد الطلاب، والتخصصات، والخبرة الأكاديمية، وحجم الأعباء التدريسية والبحثية والإدارية.
ومن المهم أيضًا أن يكون هناك حد أدنى عادل للأجور والحوافز، مع ترك مساحة للمؤسسات الجامعية المتميزة لتقديم مزايا إضافية قادرة على استقطاب الكفاءات والحفاظ عليها.
إذا كانت الجامعات الخاصة والأهلية قد نجحت في بناء منشآت ضخمة وتجهيز معامل ومستشفيات ومراكز بحثية، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد اهتمامًا موازيًا بالعنصر البشري.
فلا يمكن الحديث عن جامعة تنافس إقليميًا ودوليًا، أو جامعة تستهدف تحسين تصنيفها الأكاديمي، بينما يشعر أستاذها أن المقابل المالي الذي يحصل عليه لا يتناسب مع قيمة دوره ومسؤولياته.
الجامعة التي تجني ثمار جهود أساتذتها مطالبة بأن تجعل هؤلاء الأساتذة أول المستفيدين من ثمار النجاح.
وفي النهاية، فإن تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية، سواء الحكومية أو الخاصة أو الأهلية، ليس رفاهية ولا مطلبًا ثانويًا، وإنما هو استثمار في جودة التعليم وفي مستقبل الطلاب وفي قدرة الجامعات المصرية على المنافسة.
فإذا كانت الجامعات تبني مستقبلها من خلال الاستثمار في الإنسان، فإن أستاذ الجامعة هو أول إنسان يجب أن يبدأ به هذا الاستثمار.











