زكى السعدنى يكتب :قصة عالم اختار أن يجعل من الضوء طريقًا للعلم.. ومن العلم طريقًا لخدمة الإنسان

العالم المصري الدكتور محمود هاشم.. سيرة ومسيرة عالم سخّر الضوء في خدمة الإنسان
من معامل كيمياء الليزر إلى مكافحة الملاريا وعلاج الأورام.. رحلة عالم مصري جمع بين البحث العلمي والتطبيق والقيادة الأكاديمية
حين يتحول العلم من مجرد أبحاث ودراسات داخل المعامل إلى حلول حقيقية تخدم الإنسان وتواجه أمراضًا خطيرة، فإن صاحبه يستحق أن تُروى حكايته باعتبارها نموذجًا لما يمكن أن يقدمه العالم المصري عندما تتوافر له الإرادة والإمكانات والرؤية.
ومن بين هذه النماذج يبرز اسم الأستاذ الدكتور محمود هاشم عبدالقادر صبري، أستاذ كيمياء الليزر المتفرغ بمعهد علوم الليزر بجامعة القاهرة، والرئيس المؤسس ورئيس مجلس أمناء الجامعات الأوروبية في مصر، والرئيس السابق للجامعة الألمانية بالقاهرة، وأحد أبرز العلماء المصريين الذين جمعوا بين التميز البحثي والعمل الأكاديمي والإدارة الجامعية.
من أبوتيج إلى العالمية
وُلد الدكتور محمود هاشم عام 1947، وترجع جذور أسرته إلى أبوتيج بمحافظة أسيوط، بينما نشأ وتلقى تعليمه في محافظة الجيزة، قبل أن ينتقل إلى جامعة الإسكندرية التي تخرج في كلية العلوم بها عام 1969 بمرتبة الشرف، ثم واصل رحلته الأكاديمية بالحصول على درجة الماجستير والتدرج في الوظائف الجامعية حتى أصبح أستاذًا.
ولم تكن رحلة العالم المصري مجرد تدرج وظيفي تقليدي، وإنما كانت مسيرة بحثية ارتبطت بمجالات علمية دقيقة، في مقدمتها كيمياء الليزر والكيمياء الضوئية وتطبيقات الضوء في الطب والزراعة ومكافحة الأمراض والأوبئة.
الضوء.. من ظاهرة فيزيائية إلى أداة للعلاج
يمثل الضوء محورًا أساسيًا في جزء مهم من أبحاث الدكتور محمود هاشم، إذ اهتم بتطبيقاته في المجالات الطبية، ومن بينها العلاج الضوئي الديناميكي، الذي يقوم على توظيف الضوء في تطبيقات علاجية وتشخيصية، خاصة في مجال الأورام.
وقد قدم العالم المصري أبحاثًا ومحاضرات علمية حول استخدام الضوء في علاج الأورام الخبيثة ومكافحة الملاريا، وهو ما يعكس فلسفته في تحويل المعرفة العلمية إلى تطبيقات يمكن أن يكون لها أثر مباشر في حياة الإنسان.
وفي أبريل 2026، استضافت مكتبة الإسكندرية الدكتور محمود هاشم في محاضرة علمية تناولت أحدث التطبيقات في مجال العلاج الضوئي الديناميكي وتشخيص وعلاج الأورام، في تأكيد على استمرار حضوره في مجال البحث العلمي وتطبيقات الضوء الطبية.
«محارب الملاريا»
من أبرز المحطات في مسيرة الدكتور محمود هاشم أبحاثه المتعلقة بمكافحة الملاريا والأمراض المتوطنة في أفريقيا.
وقد ارتبط اسمه بابتكار مصري لمكافحة الملاريا، وهو ابتكار حصل على حماية ببراءات اختراع في عدد كبير من الدول. ووفق تصريحات منشورة للدكتور هاشم، فإن الابتكار المصري لمكافحة الملاريا وحمى الضنك مسجل ببراءات اختراع في 140 دولة.
ولم تتوقف أهمية هذه الأبحاث عند الجانب الأكاديمي، إذ تناولت تقارير صحفية سابقة استخدام أبحاثه وتطبيقاته في أفريقيا، وهو ما جعل اسمه معروفًا في عدد من الأوساط العلمية خارج مصر.
وفي حوار صحفي سابق، وُصف الدكتور محمود هاشم بأنه «محارب الملاريا المصري في أفريقيا»، مع الإشارة إلى أبحاثه وبراءات اختراعه المرتبطة بمقاومة الملاريا وأمراض أخرى، إلى جانب اهتمامه بمستقبل الطاقة الشمسية والبحث العلمي في مصر.
تميزت تجربة الدكتور محمود هاشم بمحاولة الربط بين البحث العلمي واحتياجات المجتمع، فلم تقتصر اهتماماته على مجال واحد، بل امتدت إلى الليزر والطاقة الشمسية وتكنولوجيا النانو وتشخيص الأمراض وعلاجها ومكافحة الآفات الزراعية والأمراض المتوطنة.
وهذه الرؤية هي التي جعلت أبحاثه تحظى باهتمام دولي، خصوصًا عندما انتقلت من الأوراق العلمية إلى تطبيقات يمكن الاستفادة منها في مجالات الصحة والزراعة والبيئة.
لم تقتصر مسيرة الدكتور محمود هاشم على البحث العلمي، فقد خاض تجربة إدارية وأكاديمية بارزة، حيث تولى رئاسة الجامعة الألمانية بالقاهرة لمدة 15 عامًا منذ تأسيسها، قبل أن ينتقل إلى تجربة جديدة في تطوير منظومة التعليم الجامعي من خلال الجامعات الأوروبية في مصر.
كما تولى تأسيس ورئاسة مجلس أمناء الجامعات الأوروبية في مصر بالعاصمة الإدارية الجديدة، في إطار تجربة استهدفت استضافة فروع جامعات دولية داخل مصر، من بينها فرع جامعة لندن وفرع جامعة وسط لانكشاير.
وكانت رؤيته تقوم على استقدام نماذج تعليمية دولية إلى مصر، وربط التعليم الجامعي بالجودة والاعتماد الدولي والبحث العلمي، بما يسهم في تطوير مفهوم التعليم الجامعي الخاص في مصر.
حصل الدكتور محمود هاشم على عدد من التكريمات تقديرًا لإسهاماته العلمية، وكان من أبرزها جائزة النيل، التي تُعد من أرفع الجوائز العلمية في مصر.
كما منحته جامعة إيست لندن البريطانية الدكتوراه الفخرية في العلوم عام 2024 تقديرًا لإنجازاته العلمية وجهوده في تطوير حلول آمنة وفعالة لمكافحة الملاريا وأمراض المناطق الاستوائية.
وتكشف هذه التكريمات عن مسيرة علمية لم تتوقف عند حدود الإنجاز الأكاديمي، وإنما امتدت إلى ميادين التطبيق وخدمة المجتمع والتعاون العلمي الدولي.
فلسفة عالم.. العلم لخدمة الإنسان والوطن
في مسيرة الدكتور محمود هاشم تبرز فكرة أساسية: قيمة البحث العلمي لا تقاس فقط بعدد الأبحاث المنشورة، وإنما بقدرته على الوصول إلى الإنسان وحل مشكلاته.
ولهذا ارتبطت مشروعاته العلمية بقضايا تمس حياة الملايين، من مكافحة الأمراض والأوبئة إلى علاج الأورام، ومن تطبيقات الليزر والطاقة الشمسية إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة في خدمة الصحة والزراعة.
كما ظل التعليم حاضرًا بقوة في مسيرته، باعتباره الطريق الذي تنتقل من خلاله المعرفة إلى الأجيال الجديدة.
سيرة عالم.. ومسيرة وطن
الدكتور محمود هاشم ليس مجرد أستاذ جامعي أو باحث في علوم الليزر؛ وإنما نموذج لعالم حاول أن يجمع بين المعمل والجامعة والمجتمع.
بدأ رحلته من كلية العلوم بجامعة الإسكندرية، وتدرج في العمل الأكاديمي والبحثي، وخاض تجارب علمية دولية، وترك بصمته في مجال مكافحة الملاريا وتطبيقات الضوء، ثم انتقل إلى قيادة مؤسسات جامعية والمساهمة في تطوير منظومة التعليم العالي.
وبين البحث العلمي والإدارة الأكاديمية، ظل الهدف واحدًا: أن يتحول العلم المصري إلى قيمة مضافة حقيقية للإنسان والمجتمع والوطن.
وهكذا تصبح سيرة الدكتور محمود هاشم ومسيرته نموذجًا لعالم مصري لم يكتفِ بأن يكون منتجًا للمعرفة، وإنما سعى إلى أن يجعل من هذه المعرفة أداة للعلاج والتنمية وبناء المستقبل.
إنها قصة عالم اختار أن يجعل من الضوء طريقًا للعلم.. ومن العلم طريقًا لخدمة الإنسان.









